الشيخ محمد رشيد رضا

57

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

القرابة تقتضي الغيرة عليهم وحب المغفرة لهم « ولو » هذه تفيد الغاية لمعطوف عليه يحذف حذفا مطردا للعلم به ، والمراد انه ليس مما تببحه النبوة ولا الايمان ولا مما يصح وقوعه من أهلهما : الاستغفار للمشركين في حال من الأحوال ، حتى لو كانوا أولي قربى ، فإن لم يكونوا كذلك فعدم جوازه أولى . ثم قيد الحكم بقوله تعالى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ أي من بعد ما ظهر لهم بالدليل أنهم من أهل النار الخالدين فيها بأن ماتوا على شركهم وكفرهم ولو بحسب الظاهر كاستصحاب حالة الكفر إلى الموت ، أو نزل وحي يسجل عليهم ذلك كاخباره تعالى عن أناس من الجاحدين المعاندين من أصحاب النار خالدين فيها ، أو انهم طبع قلوبهم وختم عليها . وقوله لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ( سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) * ومثله في المنافقين ( سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ ) الخ وقد ورد في الصحيحين وغيرهما ان هذه الآية نزلت في أبي طالب ، إذ دعاه صلّى اللّه عليه وسلّم عندما حضره الموت إلى قول ( لا إله إلا اللّه ) فامتنع وأبو طالب مات بمكة قبل الهجرة ، فهل نزلت الآية عقب موته ثم ألحقت بهذه السورة المدنية لمناسبتها لاحكامها ، أم نزلت مع غيرها من براءة مبينة لحكم استغفار الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم له ؟ وروي من طرق انها نزلت حين زار صلّى اللّه عليه وسلّم قبر أمه واستغفر لها « 1 » واللّه أعلم والآية نص في تحريم الدعاء لمن مات على كفره بالمغفرة ولرحمة وكذا وصفه بذلك كقولهم المغفور له المرحوم فلان ، كما يفعله بعض المسلمين الجغرافيين الآن ، لعدم تحققهم بمقتضى الايمان ، وتقيدهم بأحكام الاسلام ، ومنهم بعض المعممين والحاملين لدرجة العالمية من الأزهر أخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وغيرهم من حديث سعيد بن المسيب عن أبيه قال : لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فوجد عنده أبا جهل وعبد اللّه بن أبي أمية بن المغيرة فقال « أي عم ! قل لا اله إلا اللّه ، كلمة أحاج لك بها عند اللّه » فقال أبو جهل وعبد اللّه بن أبي أمية : أترغب عن ملة

--> ( 1 ) راجع هذا البحث في تفسير ( 6 : 35 وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر ) ص 537 - 553 ج 7 تفسير